عبد الكريم الخطيب

972

التفسير القرآنى للقرآن

وذلك التعميم الذي يشمل الناس جميعا ، إنما هو لأن أهوال هذا اليوم لا يكاد يتصورها أحد ، لأنها تخرج عن دائرة التصور البشرى ، وتجىء على صورة لم تقع للناس في حياتهم الأولى ، على رغم ما وقع لهم من أهوال ، وما نزل بهم من بلاء . . ومن هنا كان الذين يؤمنون بالآخرة ، ولا يعملون لها ، مطالبون بأن ينتبهوا ، وأن يعملوا أكثر مما عملوا . . فإنهم - على يقظتهم ، وعلى خوفهم من لقاء ربّهم ، وعلى إعدادهم ليوم اللقاء - إنهم مع هذا كله أشبه بالغافلين . . فإن الهول شديد ، وأن الموقف لا يمكن تصوره . . ومن هنا أيضا كان المؤمن في حاجة دائمة إلى تذكر هذا اليوم ، وإلى الحياة معه ، وإلى العمل له ، وإنه مهما أكثر من عمل ، فإنه قليل إلى المطلوب منه لهذا اليوم ، لو علم هوله ، وتصور صورته . وقوله تعالى : « إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » هو عرض لهذا اليوم العظيم ، وما يقع فيه من أهوال ، وما يطلع به على الناس من مفزعات . . والزلزلة ، الهزّة والرّعدة ، وهي الإرهاصات التي تقوم بين يدي هذا اليوم . قوله تعالى : « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » . هو « لقطات » من مشاهد هذا اليوم . . فمجرد رؤية ما يطلع في هذا اليوم ، يأخذ على الناس عقولهم ، وأسماعهم وأبصارهم . . فتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، وتضع كلّ ذات حمل حملها . . حيث لا يملك أحد - مع هذا البلاء - شيئا من نفسه ، فتتعطل فيه الأجهزة « العاملة » الإرادية منها وغير الإرادية . . ويصبح مجرد شبح يتحرك كما تتحرك الأشباح ! والصورة هنا مجازية ، فليس هناك مرضع حتى تذهل عن رضيعها ، ولا حامل